محمد بن الطيب الباقلاني
55
إعجاز القرآن
وكقول طرفة : وقوفا بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد ( 1 ) ومثل هذا كثير . فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع التوارد فيه ، فكذلك لا يمتنع وقوعه في الكلام المنثور اتفاقا غير مقصود إليه ، فإذا اتفق لم يكن ذلك شعرا . وكذلك يمتنع التوارد على بيتين ، وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع البيتين ونحوهما . فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعد شعرا ، وإنما يعد شعرا ما إذا قصده صاحبه : تأتى له ، ولم يمتنع عليه . / فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له ، وإنما يعرض في كلامه عن غير قصد إليه - لم يصح أن يقال : إنه شعر ، ولا إن صاحبه شاعر ، ولا يصح أن يقال : إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعرا ، لأنه لو قصده لكان يتأتى له ( 2 ) . وإنما لم يصح ذلك ، لان ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعرا من أحد ، وما كان شعرا من أحد من الناس كان شعرا من كل أحد ( 3 ) . ألا ترى أن السوقي ( 4 ) قد يقول : " اسقني الماء يا غلام سريعا " ، وقد يتفق ذلك من الساهي ومن لا يقصد النظم . فأما الشعر ( 5 ) إذا بلغ الحد الذي بينا ، فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه . وأما الرجز فإنه يعرض في كلام العوام كثيرا ، فإذا كان بيتا واحدا فليس ذلك بشعر . وقد قيل : إن أقل ما يكون منه شعرا أربعة أبيات ، بعد أن تتفق قوافيها ، ولم يتفق ذلك في القرآن بحال . فأما دون أربعة أبيات منه أو ما يجرى مجراه في قلة الكلمات ، فليس بشعر .
--> ( 1 ) ديوانه ص 21 ( 2 ) س : " منه " ( 3 ) م : " من واحد . . . كل أحد من الناس " ( 4 ) م : " أن المفحم إن أخذ السوقة " ( 5 ) م : " فأما النظم "